السيد محمد تقي المدرسي
283
من هدى القرآن
معقول ، قال تعالى يحدث عن إبراهيم عليه السلام : قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 54 ) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللَّاعِبِينَ [ الأنبياء : 54 - 55 ] ، وقال : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ( 38 ) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ الدخان : 38 - 39 ] ، أي لا يعلمون الهدف الذي تنطوي عليه الحياة الدنيا ، فتصبح بمجملها باطلا ولعبا ولهوا ، كما أن تفريغ الدين من مضمونه ومن قيمه وأهدافه عند البعض يجعلهم يتخذونه لهوا ولعبا ، كما قال ربنا سبحانه عنهم : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [ الأنعام : 70 ] . وإنما نسمي مجموعة ممارسات لعبا لأنها غير هادفة ( حتى بمقاييس أهل الدنيا ) كذلك الدنيا لمن يمارسها لا لهدف أبعد منها تصبح لعبا ، فإذا سألته لماذا تعمل ؟ قال : لآكل ، وإذا أعدت عليه السؤال ذاته وقلت : لماذا تأكل ؟ قال : لكي أتقوى على العمل ، وإذا سألته ثالثاً : لماذا أساسا تعيش ؟ قال هكذا جئت لأعيش ولا أعرف لماذا ؟ . أو لم تسمع شاعرهم قال : جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أو أبيت كيف جئت كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدري « 1 » وحينما يغرق في ممارسته اللعب يتحول إلى اللهو ، حيث النسيان التام والغفلة عن الهدف . بلى ؛ جاء الإنسان من عالم الذر إلى الدنيا بوصفها محطة يتزود منها ، ثم يواصل سفره إلى الآخرة ، ولكنه حيث جاءها رأى الناس يلعبون ، ورأى أدوات اللعب فشاركهم ، فبالغ في لعبه ، فنسي أنه على سفر وغفل عن مهمته . وكل شيء يدعونا إلى الغفلة ، وينسينا أهدافنا فهو لهو ، قال الإمام علي عليه السلام : « فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ المُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا وتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا » « 2 » . واستخدام القرآن لكلمة اللهو يأتي بهذا المعنى ، قال تعالى : أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ [ التكاثر 1 - 2 ] . وقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ
--> ( 1 ) ديوان الجداول للشاعر إيليا أبو ماضي ، قصيدة الطلاسم : ص 139 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 33 ، ص 474 .